العيني

171

عمدة القاري

ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرج البخاري قوله : ( لو يعلم الناس ما في النداء . . . ) إلى آخره في الصلاة عن عبد الله بن يوسف ، وفي الشهادات عن إسماعيل ، وأخرجه النسائي فيه عن عتبة بن عبد الله وقتيبة فرقهما ، وعن الحارث ابن مسكين عن عبد الرحمن بن القاسم ، سبعتهم عن مالك به ، وأخرج قوله : ( بينما رجل يمشي في طريق . . . ) الحديث في الصلاة عن قتيبة . وأخرجه مسلم في الأدب وفي الجهاد عن يحيى بن يحيى ، كلاهما عن مالك . وأخرجه الترمذي في البر عن قتيبة به ، وقال : حديث حسن صحيح . ذكر معناه : قوله : ( بينما رجل ) ، قد ذكرنا فيما مضى أن أصل : بينما ، بين ، فاشبعت الفتحة فصارت ألفا ، وزيدت فيه الميم ، فصارت : بينما . ويقال : بينا ، بدون الميم ، أيضا ، وهما ظرفا زمان بمعنى المفاجأة ، ويضافان إلى جملة من فعل وفاعل ومبتدأ وخبر ، ويحتاجان إلى جواب يتم به المعنى ، والمبتدأ هنا قوله : ( رجل ) خصص بالصفة وهي قوله : ( يمشي ) وخبره قوله ( وجد ) قوله ( فأخذه ) وفي رواية الكشميهني ( فأخره ) عن طريق قوله ( فشكر الله له ) ، معناه : تقبل الله منه وأثنى عليه ، يقال : شكرته وشكرت له بمعنى واحد . قوله : ( الشهداء ) جمع : شهيد ، سمي به لأن الملائكة يشهدون موته ، فكان مشهودا . وقيل : مشهود له بالجنة ، فعلى هذا يكون الشهيد على وزن : فعيل ، بمعنى : مفعول ، وقيل : لأنه حي عند الله حاضر يشهد حضرة القدس ويحضرها ، وقيل : لأنه شهد ما أعد الله له من الكرامات . وقيل : لأنه ممن يستشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة على سائر الأمم المكذبين ، فعلى هذه المعاني يكون : الشهيد ، بمعنى : شاهد . قوله : ( خمس ) ، بدون التاء ، هكذا في رواية أبي ذر عن الحموي ، وفي رواية الباقين : خمسة ، بالتاء ، وهذا هو الأصل . ولكن إذا كان المميز غير مذكور جاز الأمران ، وفي رواية مالك في ( الموطأ ) : ( الشهداء سبعة ) ، ونقص : الشهيد في سبيل الله ، وزاد : صاحب ذات الجنب والحريق ، والمرأة تموت بجمع ، أي : التي تموت وولدها في بطنها . وفي رواية أبي داود والنسائي وابن حبان والحاكم ، من حديث جابر بن عتيك مرفوعا : ( الشهادة سبعة سوى القتل في سبيل الله : المطعون والغريق وصاحب الجنب والمبطون وصاحب الحريق والذي يموت تحت الهدم والمرأة تموت بجمع ) . وفي حديث ابن ماجة ، من حديث عكرمة عن ابن عباس مرفوعا : ( موت الغريب شهادة ) ، وإسناده ضعيف . وروى سويد بن سعيد الحدثاني عن علي بن مسهر عن أبي يحيى القتات ، عن مجاهد عن ابن عباس ، رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من عشق فعف وكتمه ثم مات مات شهيدا ) . وقد أنكره على سويد الأئمة ، قاله ابن عدي في كامله ، وكذا أنكره البيهقي وابن طاهر ، وقال ابن حبان : من روى مثل هذا عن علي بن مسهر تجب مجانبة روايته ، وسويد بن سعيد هذا وإن كان مسلم أخرج له في صحيحه فقد اعتذر مسلم عن ذلك ، وقال : إنه لم يأخذ عنه إلاَّ ما كان عاليا وتوبع عليه ، ولأجل هذا أعرض عن مثل هذا الحديث ، وذكر ابن عساكر عن ابن عباس في تعداد الشهداء : الشريق وما أكله السبع . فإن قلت : الشهداء في الصحيح : خمسة ، وفي رواية مالك : سبعة ، ومع رواية ابن ماجة عن ابن عباس تكون : ثمانية ، ومع رواية سويد بن غفلة عن بن عباس : تسعة ، وفي رواية ابن عساكر عنه يكون أحد عشر ؟ قلت : لا تناقض بينها لأن الاختلاف في العدد بحسب اختلاف الوحي على النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قوله : ( المطعون ) : هو ، الذي يموت في الطاعون ، أي : الوباء ، ولم يرد المطعون بالسنان ، لأنه الشهيد في سبيل الله ، والطاعون مرض عام فيفسد له الهواء فتفسد الأمزجة والأبدان . قوله : ( والمبطون ) ، هو صاحب الإسهال ، وقيل : هو الذي به الاستسقاء ، وقيل : هو الذي يشتكي بطنه . وقيل : من مات بداء بطنه مطلقا . قوله : ( وصاحب الهدم ) ، هو الذي يموت تحت الهدم ، وقال ابن الجوزي : بفتح الدال المهملة ، وهو اسم ما يقع ، وأما بتسكين الدال فهو الفعل ، والذي يقع هو الذي يقتل ، ويجوز أن ينسب القتل إلى الفعل . قوله : ( والشهيد في سبيل الله ) هذا هو الخامس من الشهداء . وقال الطيبي فإن قلت : خمسة ، خبر المبتدأ والمعدود هذا بيان له ، فكيف يصح له في الخامس ، فإنه حمل الشيء على نفسه فكأنه قال : الشهيد هو الشهيد ؟ قلت : هو من باب . * أنا أبو النجم وشعري شعري * وقال الكرماني : الأولى أن يقال : المراد بالشهيد : القتيل ، فكأنه قال : الشهداء كذا وكذا والقتيل في سبيل الله . قوله : ( إلاَّ أن يستهموا ) أي : إلاَّ أن يقترعوا ، وتقدم الكلام فيه في : باب الاستهام في الأذان . قوله : ( ولو حبوا ) ، الحبو : حبو الصغير على يديه ورجليه . وقال ابن الأثير : الحيوان يمشي على يديه وركبتيه أو استه ، وحبا البعير ، إذا برك ثم زحف من الإعياء ، وحبا الصغير إذا زحف على أسته